أحمد بن يحيى العمري
96
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
العالم الأدنى اطلاع راحم لأهله ، مستوهن لحبله ، مستخفّ لثقله ، مستحسن « 1 » به لعقله ، مستضل لطرقه ، وتذكر نفسه وهي بها لهجة ، وببهجتها بهجة ، فيعجب منها ومنهم تعجبهم منه ، وقد ودّعها ، وكان معها كأن ليس معها . وليعلم أن أفضل الحركات الصلاة ، وأمثل السكنات الصيام ، وأنفع البر الصدقة ، وأزكى العمل الاحتمال « 2 » ، وأبطل السعي المراءاة « 3 » ، ولن تخلص النفس عن الدرن ما التفت إلى قيل وقال ، ومنافسة وجدال ، وانفعلت بحال من الأحوال . وخير العمل ما صدر عن خالص نية ، وخير النية ما ينفرج عن جناب علم ، والحكمة أم الفضائل ، ومعرفة الله - تعالى - أول الأوائل : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ « 4 » . ثم يقبل على هذه النفس المؤمنة بكمالها الذاتي ، فيحرسها عن التلطخ بما يشينها من الهيئات الانقيادية ، للنفوس الموادية ، التي إذا بقيت في النفس المزينة كان حالها عند الانفصال كحالها عند الاتصال ، إذ جوهرها غير مشاوب ولا مخالط ، وإنما يدنسها هيئة الانقياد لتلك الصواحب بل تفيدها هيئات الاستيلاء والاستعلاء والرياسة . وكذلك يهجر الكذب قولا وفعلا ، حتى يحدث للنفس هيئة صدوقة ، فتصدق الأحلام والرؤيا ، وأما اللذات فيستعملها على إصلاح الطبيعة ، وإبقاء الشخص والنوع ، والسياسة .
--> ( 1 ) : في تاريخ الإسلام : " مستخش به لعلقه " . ( 2 ) : في الأصل المخطوط : " الاحتلام " . ( 3 ) : في عيون الأنباء وسير أعلام النبلاء : " الرياء " . ( 4 ) : سورة فاطر - الآية 10 .